لمعة ، منيف ، مؤنس ..

عندما أمسَك كل منهم بقلمه وسكب حبره على ورق الرسائل، لينتشل نفسه وينتشل أحبائه من حضيض اليأس بأسطر من الأمل، لم يكن أياً منهم يعرف، بأن الزمان يطلب منهم أن يسجلوا الحدث ويسجلوا الشعور.. لنقرأ نحن أيضاً. فنتلقى الرسالة ونقرأها، نعيش الحدث الموجع، حدث اعتقال منيف في سجن الجفر، نحاول الفهم .. كما هم، نقرأ الحدث بتفاصيله وكأنه اليوم، نلمس المشاعر وأحياناً الدموع على الورق الباهت، نقبض على إرادة الحياه المتفجرة في الكلمات. نعيش معهم كابوساً وحلماً في آن. كابوساً يعكس سهولة قمع الانسان جسدياً، وحلماً يجسد إستحالة هزيمة الانسان إذا توفرت له الإرادة.

 تُطل علينا الأحداث اليوميه لهذه العائلة الصغيرة من خلال الرسائل، الحدث والشعور. الحدث والشعور يتلازمان في حروف وأسطر مرصوصة. 

 ليست أحداثاً جسام تلك التي تسجلها الرسائل، هي ليست سوى أحداثاً يومية عادية في حياة تسير على وتيرة واحدة، وتيرة الصبر على الألم والفراق وانتظار الفرج الذي يأبى أن يأتي. المشاعر المسجتله تخلو من العنف، تخلو من الكراهية، تخلو من الرغبة في الانتقام، تخلو من الخنوع، تخلو من المذلة . المشاعر المسجلة مفعمة بالحب وبالصبر وبالأمل وبالإرادة.

رسائل الجفر مزيج ذو تركيبة سحرية عرفتها لمعة وعرفها منيف وعرفها أيضاً الطفل مؤنس. فالرسائل تنقل صوراً وأحداث تتيح لكل منهم تصُور ما يجري مع الآخر وكأنه هناك. ثم يأتي بالبوح، البوح المفعم أحياناً  بالحب والشوق، وأحياناً أخرى بالانقباض والأسى، ثم يأتي المكون الأخير المكمل للمزيج السحري.. الأمل. وكل ذلك تحت وطأة الرقابة الداخلية التي يمليها الرقيبالذي يقرأ كل ما يُكتب، يسجل شوهدبالأحمر ويقرر  إذا كانت الرسالة سترى النور أم لا.

تلك الرسائل تعـيدنا إلى عمان الصغيره وبيوتها. نسمع أحاديث الجيران، نتناول الغذاء مع زوجات المعتقلين، نشعر بإقتراب موسم الشتاء، نشم رائحة التراب عند سقوط المطرالأول، نرى وجوه الأطفال في المدرسة في الباص، نراهم يشترون الحلوى من الدكان. نعرف المسافات ما بين عمان والجفر، والحافلات التي تُـقل المعتقلين، وحرارة الصحراء نهاراً، وجمال طقسها ليلاً، وحياة السجن بما فيها من مُـنغِصات ولكن أيضاً من لذائذ صغيره تمكن السجين من التغلب على اليأس بشيء من الطبيخ أو الغناء أو روح النكتة أو الرياضة البدنية. تلك المحطات التي يصفونها وصفاً مسهباً. كانوا ليتجاهلوها لو انهم إستسلموا لليأس ليطبق على قلوبهم وعقولهم، لكنها كانت مكوناً أساسياً من مكونات صمودهم.