هشام عودة

بـورتـريـه: منيف الــرزاز..تعميق الثقافة القومية

ولد في دمشق وتوفي في بغداد ودفن في عمان هكذا يمكن توصيف رحلة حياة ظلت صاخبة للدكتور منيف الرزار، الذي منعته لحظة توتر سياسي في نيسان من عام ذ957 من الحصول على لقب “معالي”، بعد ان اختاره الرئيس المكلف في حينه عبدالحليم النمر ممثلا للبعث في حكومته الحزبية لتسلم حقيبة الصحة بعد اقالة حكومة الرئيس سيلمان النابلسي، لكن تسارع الأحداث حال دون اعلان تلك الحكومة، ليتقدم الدكتور حسين فخري الخالدي بحكومته التي لم تعمر طويلاً.

اصبح عضو في حزب البعث عام 1951، لكن ابا مؤنس تحول في السنوات الثلاثين الأخيرة من عمره الى واحد من ابرزا لقيادات البعثية، ليس في الأردن فقط بلى على امتداد فروع الحزب في الوطن العربي، فقد اختاره رفاقه في مؤتمرهم القومي الذي عقد في دمشق عام 1965 أمينا عاما، بعد أن ترك ميشيل عفلق موقعه في قيادة الحزب وغادر الى البرازيل، لكن الانشقاق الذي تعرض له الحزب في الثالث والعشرين من شباط عام ذ966، دفع بالدكتور الرزار لمغادرة دمشق، ليعود بعد احد عشر عاما من تلك الحادثة، ويصبح امينا عاما مساعدا للبعث، في المؤتمر القومي الذي عقد في بغداد عام 1977، وهو منصب حزبي رفيع تساوى فيه مع الرئيس الراحل صدام حسين.

سنوات طويلة ظلت يافطة معلقة في شارع بسمان تشير الى عيادة الدكتور منيف الرزاز، التي عرف فقراء الاردن الطريق اليها بسهولة، كما تحولت في كثير من الاحيان الى صالون سياسي ضم مختلف الشرائح والنخب السياسية والفكرية، وصار الدكتور الرزاز احد ابرز المؤثرين في الخريطة الحزبية في البلاد.

في خمسينات القرن الماضي وستيناته تم اعتقال الدكتور الرزاز أكثر من مرة، وذكر من كان معه في المعتقل، ان الطبيب القيادي في حزب البعث كان ينظم حفلاً اسبوعيا في المعتقل، يغني فيه بصوت شجي لسيدة الغناء العربي ام كلثوم التي كان معجباً بأغانيها، وهو غناء لم ينقطع لاحقا سواء في بيته أو بيوت اصدقائه المقربين. خضع للاقامة الجبرية في بغداد بعد تموز1979.

في دمشق عام 1919 ولد الدكتور منيف الرزاز ليلجأ مع عائلته عام1925 الى عمان هربا من اضطهاد المستعمر الفرنسي، وي عاصمة الامارة التي كانت تشكل بهدوء في تلك السنوات اتم دراسته الثانوية، قبل ان يلتحق بكلية الطب في جامعة فؤاد الأول “القاهرة لاحقاً” وينتمي هناك لصفوف البعث الذي قضى فيه ما يقرب من نصف عمره، وتشير وثائقه الرسمية أن اسمه احمد منيف الرزاز، ليتخلى طوعا بعد ذلك عن اسمه الأول ويقدم نفسه في الحزب والسياسة والمهنة “منيف الرزاز”.

احد منظري البعث واحد ابرز مفكريه يحمل توقيعه عدد من الكتب الي ناشقت موضوع الأمة والهوية والقومية، وكان بعضها يدرس في الجامعات العراقية لتقوم عائلته وبعض اصدقائه بطباعة اعماله الكاملة بعد رحيله.

في مطلع الثمانينات، ومع بداية اشتعال الحرب العراقية الايرانيه، تابع العراقيون سلسلة من المقالات التي نشرتها جريدة الثورة بتوقيع “محمد العربي” تناقش اسباب تلك الحرب وتداعياتها والمشروع القومي بشكل عام، وقد اكد اثنان من قادة الاعلام العراقي لكاتب هذه السطور، وهما ناصيف عواد وحميد سعيد ان “محمد العربي” لم يكن الا الأسم المستعار الذي كتب به الدكتور الرزاز سلسلة مقالاته تلك، من داخل غرفته المغلقة.

في شهر اب من عام ذ984 لفظ الدكتور الرزاز انفاسه الأخيرة في بغداد، ليعود جثمانه الى عمان يدفن فيها، وقد اطلقت رابطة الكتاب الأردنيين اسمه على احدى جوائزها، فيما اقيمت حول اعماله السياسية والفكرية العديد من الندوات المتخصصة التي ناشقت نتاج مفكر اردني بارز في عهد قيادته للبعث في دمشق، فتحت سورية معسكراتها لتدريب الفدائيين، وتشير المعلومات الى انه بعد عودته للأردن عام 1967 وانتشار ظاهرة العمل الفدائي بعد هزيمة حزيران، كان للدكتور الرزار موقعه في قيادة المقاومة الفلسطينية، وظل يحظى بتقدير قادتها وعناصرها حتى يومه الأخير.

تعرف بحكم موقعه الحزبي الى العديد من القادة والرؤساء العرب من بينهم جمال عبد الناصر وامين الحافظ واحمد حسن البكر وصدام حسين، لتنتهي حياته بعد خمسة وستين عاما عاشها، معتقلا ومنفيا ومشردا في معظم الأحيان، لكنه ترك لتلامذته ارثا فكريا وثقافيا مميزا، وهو الارث التي استند اليه ابناه مؤنس وعمر وعدد كبير من تلاميذته الذين ظلوا مخلصين لترجبته.

جريدة الدستور – الخميس 26 آذار 2009