١٩٦٣/٩/٢٤”عُمر يعي هطول المطر.. والطابة الحمراء تتحول الى شمس..”

منيف الحبيب

بعد أن فرغت من رسالتي إليك البارحة كان عمر يقف مشدوها يحدق في الظلام من نافذة الفارندا وقد الصق جبهته بالزجاج لايكاد يرف له جفن.. كل ذلك وهو يرقب الأضواء المنبعثة من البرق ويسمع صوت الرعد  فيهمس بعجب ودهشة لعل فيها بعض الخوف..ايش هادا وبعد اجابتي له يصمت ويطيل النظر ولكنه لايريد أن أفارقه.. يلتصق بي ويلف ذراعه الصغيرة حول عنقي ويجذبني اليه لأنظر معه خلال النافذة وهو يهمس ” تعالي حبيبتي خليك عندي” وقد تكرر البرق ودوت الرعود متوالية وهطلت أمطار غزيرة هكذا فجأة ودون سابق إنذار..فكانت الأمطار الأولى ..وانبعثت رائحة التراب تعبق الجو نرتوي بعد طول عطش وجفاف وغبار.. وعمر يرى تحت ضوء السيارات العابرة حبات المطر الكبيرة تنهمر بغزارة وهي أول شتوه يعيها ويحاول فهمها فيقول ” ماما من وين المي تجي!  ثم سأل عن البرق من أين يأتي وعندما قلت له من السماء من فوق تذكر أنه قبل يومين شهد شروق الشمس (وجعلني اشاهدها  معه من نافذة فرندته) وقد بدت كطابه صغيرة حمراء ملتهبة فوق الجبل واعجب بها جداً وطلب ان  يأخذها فأجبته بأنها الشمس وأنها تعطينا الضوء في النهار ولا يستطيع أن يمسكها لأنها في السماء.. تذكر العفريت كل ذلك فأجابني ” هذا مش حلو أنا بدي الشمس خليها تجي”! فتصور وقد أصر على طلبه ونام وهو يحلم بأنه في الغد سيرى الطابه الحمراء في الصباح وستتحول الطابه إلى شمس!

ولمعه تفشي اسرار مؤنس العاطفية !

وأما مؤنس فإني أشعر بأنه كبر وبسرعة تفوق النمو الطبيعي..وأكثر مأخافه أن يكون لموقع بيتنا أثر في ذلك! هل تدري بأنه سألني قبل بضعة أيام مستفسراً ” كم كان عمر بابا عندما تزوج “؟ فأجبته “حوالي الثلاثين ” فأجاب ” ييه كتير متأخر.. أحسن شي في سن 25  حتى الواحد يشوف أولاده، وأولاده يشوفوه أطول مده ممكنه!”  فمارأيك بهذا التطور؟! هل نرحل من البيت؟! لا بد من ذلك وإلا فمن غير المستبعد أن يحدثني في هذا الموضوع ثانيةً فإذا بالسن المعقولة في نظره هي حوالي العشرين..إلخ..

إضحك ولكن يبدو أن الأمر جدي! وإن التطور مستمر وبسرعة الصاروخ! اكتب رسالتي وهو نائم يغط في أحلامه وسأغلق الرساله قبل أن يقرأها ويكتشف بأني أفشي أسراره،  فكل صابون نابلس لن يخلصني منه لو علم كيف اكتب وكيف احلل! فإن كنت تحتفظ برسالي أرجو أن لا تحتفظ بهذه  الرسالة. أتلفها ولوقبل عودتك! وإلا خربت الأمور بيننا وضاعت الثقة التي اتمتع بها وأسعد بها.. ثم ثورته وتهديده بأنه لن يخبرني شيء بعد اليوم مادمت أثرثر وأذيع أسراره! فأرجوك أن توفر علي كل هذا! وإلى فسأهدده أنا بدوري بأني لن أخبرك بتلك الأسرار بعد الآن!

جميع الأصدقاء هنا يسألون عنك ليطمئنوا عن صحتك وقد تحدثت اليوم معي ام الياس(1) وسألت عنك وأرسلت لك هالة تحياتها.

واتصلت معي اليوم وداد الممرضة وأخبرتني بأنها تشتغل عند الدكتور محمد غرايبة بعد الظهر فقط ولكنهها وجدت عملاً في الصباح في شركة براتب 15 دينار بالإضافة إلى راتبها عند الدكتور الذي يبلغ ست دنانير! ومع هذا فقد فهمت منها بأنها على إستعداد للعودة حين رجوعك لأنها لن تجد مثل معاملتك ورأفتك بها ثم أنها كانت تكسب أكثر من هذا المبلغ بكثير من الابر كما قالت. إن الجميع متأملين أن لا يطول غيابكم ونحن نعيش من إسبوع لإسبوع وهذا أسوأ ما في الأمر!استلمنا رسالة من والدي في بيروت وصحته ماتزال ليست تماماً كما يرام فعسى أن يتحسن مع التغيير. إنه يسأل عنك ويطلب مني أن اكتب إليه ليطمئن علينا.

كيف الجميع عندكم! هل أرسل لك بعض الملابس الشتويه؟ هل أرسل العباءة ! لك قبلاتي وأشواقي وأرجو أن يكون لنا في الغد رسالة منك فقد كانت أخر رساله استلمناها رسالة 14/9.

لمعه

الرسالة بخط اليد:

(1) جولييت مقحار.