١٩٦٣/٩/٢٥ ” لمعه لمنيف: رسائلنا لن تحمل الا النزر اليسير مما نستطيع التعبير عنه، ونحن نشعر بأنها نهباً لألف عين وعين..”

منيف الحبيب ،

إن رسائلك جميعها وصلت وكنت اكتب في حينها أخبرك بوصولها حسب تواريخها ولو متأخرة ويغمرنا الفرح ونحن نستلمها وننسى ساعات الانتظار الطويلة وعندما تأتي مجموعة رسالتين أو أكثر معاً، فعندها أشعر وكأنني ملكت الدنيا، أجلس إلى تلك الرسائل التهمها في المرة الاولى إلتهاماً.. ثم أعيد قرأتها ثانية بتمعن ثم ثالثة ورابعة وفي كل ليلة قبل النوم علني أجد جملة جديدة لم انتبه لها أو جملة حبيبة استعيدها، إلى أن تأتي رسالتك التالية.. وهكذا تمض بنا الأيام وكأن الزمن قد توقف وأصبح يدور في محور نطاق واحد رسائل وأمل في عودة قريبة والى أن تعود فليس للزمن من ميزان تمر الأيام والأسابيع والأشهر بدون حساب وكأنها لا تمر بنا وكأننا لا نمر بها.

اننا معك روحاً وفكراً وشعوراً، ولدينا معين من الصبر والأمل لا ينفذ..

أما رساتلي التي تقول فيها أن الملل يبدو خلالها فهي لا تعبر عن نفسيتي مطلقاً وإن اتت مقتضبة فلاريب أني كتبتها في ساعة عجل لا أريد للبريد أن يذهب بدون رسالة ولو كانت أسطر قليلة معظمها عن طرد الفاكهة، ولا ريب أنني كنت قد كتبت قبلها رسالة ذهبت في رحلة طويله ولعلها تعود فتصل إليك.. ولكنني اكتب وأكتب دائماً وإن لن أجد  متسعاً من الوقت سطرت بضعة اسطر قد تبدو جافة مقتضبة ولكن الدافع لكتابتها هو فيض الشوق ولهفة أن لا يأتي البريد فلا يصلك منا شيء أود أن يصلك أي شيء يربطنا بك ويربطك بنا في لحظة كتابة ولحظة قراءة ولو كانت بضعة أسطر! أما إن كنت ستحلل تلك الرسائل على غير ما تعبر عنه وإن كانت ستجعلك تشك بأن حالتي النفسيه تعبة، تكون تلك الرسائل قد أدت خدمة معاكسة وأثرت الاضطراب حيث أردت الاطمئنان، فليس أمامي إلا أن القي تلك العادة التي أصبحت آلفها وهي أن اكتب لك يومياً ولو بضعة أسطر.. فارغة أو غير فارغة رسميه أو غير رسميه المهم أن اكتب وأن تكتب وان يستمر هذا الاتصال على فترات متقاربة ما أمكن! هل تظن بأنني اكتب رسائلي كلها بعد نوم الأولاد؟ لا فإني اكتب أحياناً وعمر يقفز حولي ويحاول أن يسحب القلم مني ويحاول انتزاع اهتمامي إليه بشتى الوسائل فهل يبقى بعدها مجال للتركيز ولرسالة محبوكة مسهبه فيها الشيء الكثير من نفسي؟ أنا أعلم بأن بعض رسائلي قد يبدو كتقارير عن كل صغيرة وكبيرة تحدث عندنا.. ولكني افعل ذلك وانا اشعر باني اريد ان اسجل لك ما يدور عندنا.. تماماً كما لو كنت تعود من العمل في المساء وأجلس لأقص لك ما حدث عندنا في غيابك.. واما الرسائل القصيرة المقتضبة فهي بالنسبه لي اضطرار ولكن مع هذا أود أن اسجل لك بعض عبارات وكأنها إلقاء تحيه الصباح تلقيها وأنت خارج إلى العمل اليومي.. تلقيها على عجل، ولكنك تلقيها على كل حال فتأتي تؤكد الحب والحنان بإقتضاب! ومهما يكن الامر فيبدو أن هذا البعد يتركنا جميعاً في وضع لا نستطيع معه إلا أن نجعل من هذه الرسائل كل شيء لنا، فنُحملها من المعاني فوق ما تحمل ونحاول أن نستشف خلالها ما لا تحمله الأسطر من معانٍ وأحاسيس. ومهما حملت هذه الرسائل فلن تحمل إلا النزر اليسير مما نستطيع التعبير عنه، ونحن نشعر بأنها نهباً لألف عين وعين.. ومهما يكن الأمر فإنها سلوتنا  الوحيدة انها خيط الحياه الاوحد الذي يحرك عالمنا ويضفي عليه بعض الألوان والحياة!

كتبت لك بمعدل رسالة كل يوم هذا الاسبوع فأرجو أن تصلك على دفعات متقاربة لئلا تترك مجالاً للضيق يتسرب إليك ، فإن الراحة التي تبدو في رسائلك وصحتك التي تطمننا عنها هي الشيء الوحيد الذي يهدئ روعنا ويجعلنا نتحمل هذا البعد بصبر كبير بدون ملل ولا تذمر ولا شكوى! فلا يكن لك أدنى شك من هذه الناحية فنحن لم نكن يوماً أقرب إليكم من اليوم.. الا تشعر بذلك خلال رسائلي ورسائل مؤنس؟ خيل إلي أنك تحس بذلك القرب الذي لم يكن في يوم اكمل منه الآن.. إنه تقارب روحي يجعلنا نحس أنك معنا واننا معك روحاً وفكراً وشعوراً..

هل اقتنعت الآن بأن الملل لم يتطرق  إلى نفسي ولن يتطرق إليها أبداً فلدينا معين من الصبر والأمل لاينفذ. لقد أطلت عليك وربما انني كررت بعض المعاني لست ادري ولن اعيد قراءة الرسالة فسأرسلها كنا هي فارجو حين تقرأها ان تتلمس ذلك الحب الذي ينساب من جوانبها وتغطي عن اي نقص فيها!  والنقص اليوم قد يكون أنني لم اذكر اي شيء عن الأولاد! انهم بخير ينتظرونك دون ملل او استعجال الا من عمر الذي يطلب ان اتيك اليه ويقول ” هاتي بابا بدي اياه..بدي احكي معاه..”

سأرسل لك في الغد العباءه مع بعض السجائر ويخطر لي ان انتظر لنهاية الشهر ولكني اخاف ان تبرد والأرجح ان ارسلهم فإن عدت كان الله في عونك في الحمل وقد يتاح لك من يساعدك فلا ريب ان اغراضك قد ازدادت.

هل تريد ان ارسل حقيبة صغيرة لوضع الزائد من اغراضك؟ ان مؤنس مستعد ان يقابلك في منتصف الطريق ليقدم خدماتته!

مع قبلاتي واشواقي الحارة

لمعه

ارجو ان لا تنفذ عزمك على تقليل رسائلك فانها على ما يبدو تصل جميعها ولو بعد حين وأحياناً تصل بسرعه مشكورة فإن رسالتك المؤرخه في 20 و 21 لمؤنس وصلت اليوم في 25 وهذا يدل على ان الرسائل تتأخر في اول الشهر فقط لسبب ما ولكنها تأتي بانتظام في أواسطه وآخره . فارجو ان تداوم على نشاط الكتابة ولا تعود الى بخلك السابق.

الرسالة بخط اليد: