١٩٦٣/١٠/١٢ ” الإصرار على الكتابة.. حتى لو لم تصل الرسائل! “

لمعتي

أكتب وانا لا أدري. أيكون مصير هذه الرسالة كسابقاتها. أم يكون لها مصير أفضل. فتصل إليك كما يجب أن تصل بسرعة  ومن الغريب، أني مع ذلك مازلت أجد نفسي مندفعاً للكتابة لا يثنيني ان هذه الرسائل التي اكتبها وأحس أنني اتحدث اليكم فيها، لا تجد طريقها اليكم. فلئن وجدت هذا الطريق فذلك كل المراد من رب العباد. وإذا لم تجده فهي حديث من طرف واحد. وهل ثمة غير أن نصبر على المكتوب.

طبعاً أنا في غير حاجة إلى القول بأني مازلت أكتب. أكتب ثلاث مرات في الاسبوع. رسالتين في كل مرة. ورسائلكم تصل. بعضها على الأقل. ومنها بفرق أن البريد يشتغل في إتجاه واحد فقط في الوقت الحاضر. والله أعلم حتى متى يمتد هذا الحال. وانا أدرك طبعاً أن من حق مؤنس أن يضيق بهذا الحال وأن ينرفز. فإذا كنا نحن الكبار، البالغين، الراشدين، نضيق به وننرفز، فما بال هذا الصغير الكبير الذي لم يتقن فضيلة الصبر بعد كما اتقناها نحن؟

 

ولكن عن ماذا نكتب؟

 

أما نحن فحياتنا تسيرعلى وتيرتها المعهودة. أكل وشرب ونوم ولعب شدة. ولذلك فسأتحدث اليوم عن الأكل. (هل انحدرنا إلى هذا المستوى النباتي فلا نجد شيئاً نتحدث فيه إلا الأكل والشرب والنوم ولعب الشدة؟). فلقد كان الدور البارحة دور أنيس. وكانت الأكلة أكلة منسف رائعة. غطسنا فيها بحماسنا المعهود فينا. وأتقنها أنيس بإتقانه المعهود فيه. والحق أن أنيس هو أنشطنا جميعاً. فكل ما يتعلق بالحديقة، بالإصلاحات، بالعمل غير المقسم على الدور فهو الذي يتعهده. ولو رأيته البارحة متربعاً على الأرض على طريقة بوذا يهصر الجميد هصراً بيديه والعرق يسيل منه سيلاً لما تمالكت إلا أن تعجبي بهذا الحماس المتواصل للعمل البيتي الذي خلق عنده فجأة. أو لو رأيته قبل أيام وهو يفرش قسماً من الحديقة بالإسمنت ليحولها إلى ساحة نظيفة تصلح للجلوس بعد الظهر إذن لقلت لقد وُلد بناءً. أما نحن فتنحصر مهمتنا في تشجيعه. والتصفيق له.

لقد حاولت كل هذه المدة أن أتحاشى الوقوع بالإنفلونزا ماأمكنني ذلك، ولكنني البارحة، بعد غداء المنسف مباشرة، شعرت فجأة بأن أنفي لم يعد يحتمل المقاومة،على رغم ضخامته، وأنه قد انهار. وأن سيولاً بدأت تهدر فيه. حتى الآن ليس ثمة حرارة. ولكن الزكام شديد جداً. والحمدلله على سلامتك أنت بعد أن نزلت الحرارة كما تقولين. أرجو أن تكوني قد تابعت الدواء حتى الشفاء.

فكرة تأجير العيادة بفرشها فكرة في محلها. فإذا وجدتم طبيباً يناسب ذلك فلا مانع. أرجو أن يكون الأولاد جميعاً في صحة جيدة. فكري عندكم دائماً. قلبي معكم دائماً. حبي لكم دائماً.

منيف.

 الرسالة بخط اليد: