١٩٦٣/١١/١٥ ” مؤنس يزور منيف للمرة الثانية..”

لمعتي :

ليتك رأيت مؤنس البارحة داخلاً علي مليئا بالثقة بنفسه. بعد أن تغلب على شعوره الأول بالجزع أو بالرهبة. دخل رجلاً مبتسماً وكأنه يراني أو يرى المكان كل يوم. دخل وسلم ثم جلسنا مع بعض اسأله ويسألني وقضينا نصف ساعة كأحلى نصف ساعة قضيناها في حياتنا.

ولقد كنت توقعت زيارتك معه. فقمت من الصباح احلق والبس وأتهيأ لاستقبالكما. ولكن مؤنس وصل في الصباح الباكر. (فالتاسعة والنصف صباح باكر جداً معنا. نحن الذين لا نفيق من النوم إلا بعد الثانية). فلم أكن متهيئاً تماماً ولكنني كنت قد أنهيت حلاقة ذقني. ولما أدركت انك لم تأتي معه لم أعرف- بل لحد الآن لا أعرف- هل أصابني شعور بالإرتياح أم شعور بالخيبة. فعلى رغم كل شوقي إليك ورغبتي في رؤيتك فإن مشقة الطريق من جهة وظروف المقابلة نفسها من جهة أخرى تفرغ المقابلة من كل معنى لها نطمع في أن نكسبها إياه. ولذلك فلا تبتئسي انك لم تجيئي. ولعلي أكثر إرتياحاً لعدم مجيئك. فما أريد أن نرى بعضنا بعد هذه الفُرقة الطويلة في مثل هذه الظروف.

وحتى مؤنس لا أريد له أن يكثر زياراته في هذه الآونة. فهاتان الزيارتان قد قضتا شيئا كثيراً في نفسه وفي نفسي. فلا حاجة به الآن لأن يراني. ويعطل من أجل ذلك يوم دوام ما أدري لعل المقابلة تترك في نفسه بعدها أشياء تصرفه عن دروسه وامتحاناته. سيما وأنه في الشهر الماضي لم يحقق في المدرسة ما كان يرغب وأرغب في تحقيقه من نجاح. ولذلك فلا حاجة به الآن لأن يأتي مرة أخرى قبل شهرين أو ثلاثة، إذا بقينا هنا هذه المدة. وأرجح الظن أننا باقون.

يظهر أن الفوضى في وصول الرسائل واستقبالها قد رجعت كالعادة. ففي بريد الأحد الماضي استلمت رسالتين منك ومن مؤنس مؤرختين في 6\11، ورسالة من مؤنس في 8\11، ثم لم أستلم شيئاً أيام الثلاثاء ولا حتى الجرائد. كما لم أستلم يوم الخميس، بعد أن غادرنا مؤنس، إلا رسالة منك مؤرخة في 8\11 أيضا، وأيضا بدون الجرائد. والواقع أنني حين لم استلم بريداً يوم الثلاثاء رجحت أنك قادمة يوم الخميس مع مؤنس. وأنك من أجل ذلك لم تكتبي. فصبرت كذلك. ولم أكتب يوم الأربعاء كالعادة منتظراً يوم الخميس.

تدابير الوقاية من البرد 

لم يُسمح لنا بإدخال المدفأة الكهربائية لأن موتور الكهرباء عندنا قد يحتمل قوتها ولكنه لا يحتمل قوة غيرها إذا سُمح بعد ذلك بإدخال مثلها. والواقع أنه يبدو أنه لن يكون لنا حاجة بها فالشتاء حتى الآن معتدل جداً. وأنا اكتب هذا إليك الآن في الحادية عشرة ليلاً بعد أن أنهينا سهرتنا حول البركة في الخارج في العاشرة، دون أي شعور منا بالبرد. وحتى الآن مازلت أتغطى ببطانيتين أو ثلاثة إذا ما اشتد البرد. ولم ألبس الصوف الداخلي. ولكننا في الليل إذا سهرنا في الخارج فألبس الجرزاية والروب أو الفروه أو العباءة. وبهذه المناسبة فالفروه عظيمة جداً جنس الفرو نفسه وألوانه من أجمل ما يمكن. خياطة قماشها عفشيكة قليلاً. والأكمام فيها بعض الضيق. ولكنها بالفعل ممتازة وتقتل البرد قتلاً. ويظهر أن زنازننا هذا العام لن تبرد كثيراً. ففي الشتاء السابق الذي قضيناه هنا كنا نسكن في براكسات من الزنكو ولذلك كان بردها لا يحتمل. أما هذا العام فبراكساتنا دافئة. وأظن أننا لن نحتاج لأي نوع إضافي من التدفئة.

ما هذا الكاسكيت العجيب وأين اكتشفته؟ انه بالفعل ممتاز. فهو يمنع البرد منعاً باتاً عن الصلعة العتيدة. وان كان الرفاق هنا احتاروا فيمن يشبهونني فيها. فساعة أنا سائق تكسي في باريس. ومرة بائع بسطرمة ارمني. ومرة فلاح في استانبول. والذين درسوا في بريطانيا يقولون أنها لباس فلاحي السكوتش. وعلى كل حال فان عنايتك بي لم تترك مزيداً لمستزيد. فلا ترسلي شيئاً بعد الآن. فقد طفحت أغراضي هنا ولم تعد الغرفة الضيقة تتسع لأكثر مما تحوي.

 أما الطعام فقد كان هائلاً. وليته وصل يوم دوري أنا. إذن لكان وفر علي مؤونة الطبخ. هل وصلك كتاب promise at dawn؟ وبقية الكتب؟

إني اكتب إليك هذا وأرسله إلى أريحا لأن مؤنس قال إنكم ستنزلون إلى أريحا يوم الأحد. فأرجو أن يكون ذلك صحيحاً.

نحن جميعاً في صحة جيدة. وبالنا مرتاح. ونقضي أيامنا في مرح وسرور. لا نريد منكم إلا أن يكون لكم نفس مرحنا وسرورنا؟

إلى الجميع سلامي. والى مؤنس وعمر واليك قبلاتي وأشواقي.

منيف

 الرسالة بخط اليد: