١٩٦٣/١١/١٩ ” لمعه تخشى على مؤنس من الانهيار العصبي..”

  منيف الحبيب

  أشعر وكأن دهراً قد مر منذ أن سمعنا منك لآخر مرة، وكانت آخر رسالة وصلتنا هي التي كتبتها قبل مجيء مؤنس في المرة الثانية فهل فعلاً مر وقت طويل؟ ام أنه ليل طويل، طويل لا ينتهي بالنسبة الينا؟ ونحن بالفعل نشعر بالضياع في هذه الفترة وحتى الرسائل لا تأتي لتخفف من وطأة هذا القلق الذي يجثم على الصدور ويخيم على جونا جميعاً.

  أما مؤنس فقد قررت تغيير الجو بالنسبة إليه كلياً مهما كلف الأمر فقد اصبحت اخاف عليه الانهيار العصبي. فاعصابه الطفلة لا تستطيع الصمود لهذه الدوامة التي نعيش فيها فقلبه في حيرة، وعقله يجتاز أزمة مروعة لم اكن لأحسب لها حساباً. فهذا الصغير يعيش بقلبه وروحه وجسده شعلة واحدة متقدة وهذه التيارات التي تتقاذفنا هنا وهناك تشعل في اعماقه صراعاً كان علينا ان نجنبه اياه جهدنا ونجعله في معزل عن كل هذا لنؤمن له على الاقل الراحة النفسية والهدوء مهما كان حالنا نحن.فإن نحن فهمنا وقدرنا ظروف وضعنا الحالي فهذا الطفل اعجز من ان يفهم واعجز من أن تكون لديه المرونة لينتني دون ان يتكسر في وجه العواصف حولنا.

وقد بدأت منذ يومين برنامجاً جديداً في البيت لا يشمل فتح الراديو إلا على الموسيقى والبرامج الاجتماعية الفكاهية التي يحبها والأخبار والاحاديث ممنوعة اطلاقاً طيلة وجوده إلى أن ينام وعندما يستفسر مني اجيبه بتجرد قدر الامكان وبطريقة تعيد الهدوء إلى نفسه ثم أخذته مرتين إلى السينما ومن حسن الحظ انه كانت هناك افلاماً حسنة تناسبه ومن النوع المريح الذي يصرف ذهنه عن مشاكله. والبارحة شعرت بالنتائج إذ شعرت به يعود إلى الهدوء وتعود الابتسامة إلى شفتيه ولكني سأداوم على خطتي للعمل على تغيير نمط تفكيره ما امكن، لصرفه عن التفكير في هذه المشاكل التي هي في اهتزاز مستمر وفي تقلب مستمر.

سأجعل همي من الآن فصاعداً ابعاده ما امكن عن هذا كله وصرف تفكيره إلى بناء نفسه وانماء مواهبه الفنية والادبية وصرفه عن كل امر سواه. يجب أن يبقى بمعزل عن كل هذا الذي يدور حولنا ويكاد يغرقنا في التيارات المتصارعة. يكفينا أن نتحمل نتائج اغلاط غيرنا. لا اريد لابننا ان يتحمل معنا فلديه في الغد حياته ومشاكله و اوريد أن نهيئ له على الاقل ما يحفظ له هدوء نفسه وقوة أعصابه واحتماله. اريد  له ان يعيش كالاطفال الآخرين لايحمل هماً ولا يفكر إلا في دروسه ونجاحه و يرى العالم بمنظار زاهي الألوان.

فهذا الجو القاتم الذي لا حول لنا فيه ولا حيله، خطر كبير يهدد سلامته الصحية والعقلية. وتبين لي مدى ذلك الخطر في الاسبوع الفائت عندما تهاوى كورقة الخريف الضعيفه تحت صفع الرياح. وانا احمد الله ان الوقت لم يفت وأنني انتبهت قبل فوات الأوان والنتائج الحسنة التي وصلنا إليها وتجاوبه التام مع محاولاتي لتغيير جوه وصرفه عن الاحاديث التي لا اريد له ان يخوض بها يجعلني اشعر بالطمأنينة من نحوه. وأنا اغير الحديث بغير أن يشعر واصرف اهتمامه عن كل مايدور حوله قدر المستطاع. متناسية بذلك شعوري الخاص، متجاهلة كل شيء إلا مسؤوليتي تجاه هذا الطفل المسكين.

في نهاية الاسبوع سينتقل والدي وامي الى اريحا أما انا فسأتأخر فترة للبقاء بجانب مؤنس والاكتفاء بالوقت الحاضر بالذهاب لبضعة أيام. لم تخبرني ان كان مقاس الفروة مناسباً.

الجميع هنا يرسلون تحياتهم والدكتور منير شيخ الأرض زارنا وسأل إن كان يستطيع أن يعمل شيئاً فشكرته واجبته بالنفي ثم اقترح ان يفتح لك العيادة ويمشيها لمصلحتنا وخدمة لك فشكرته ثانية على شعوره الطيب، وان لا لزوم لان يزعج نفسه.فأجاب إن كانت هذه الفكرة تروقكم فأنا على استعداد ففكروا بالأمر. فشكرته ثانية ووعدته بمن نتصل به إن لزم الامر لا سمح الله.

  اكتب لك وعمر يسمع قصة عن امي وهو يسألها الاسئلة العديدة ويضحك ويقهقه. وكم احمد الله انه مايزال في هذه السن التي لا يحس فيها بشيء مما يدور حوله، ويجنبه هذا تلك العقد والمضاعفات التي تلف أخيه وتعصف به.

ارجو ان يكون لنا في بريد الغد رسالة أو رسالتين وارجو ان نجد فيها القوة التي اعتدنا ان نستمدها دائماً منك، والطمأنينة.. فأنت أنت تبقى دائماً الشاطئ الذي لايهتز ولا يتأرجح.. يبقى واضحاً ابداً عبر الضباب.

  لك حبي كله وشوقي الذي يزداد. وإلى لقاء قريب.

لمعه

  الرسالة بخط اليد: