١٩٦٣/١٢/٦” إجازة قصيرة في أريحا وقراءة مشتركة لمقدمة ابن خلدون! “

منيف الحبيب.

            كان الطقس البارحة رديئاً للغايه ومع هذا فقد رافقنا أبو سليمان في النزول إلى أريحا وكان الضباب منتشراً بشكل يجعل الرؤية متعذرة على بعد أمتار ومع أننا تركنا عمان في الرابعة فقد خيل إلينا أن الطريق لن تنته ولن نصل بسلام. وذكرني كل ذلك بتلك الليله التي عدنا فيها من بيروت إلى الشام في ضباب شديد وبعد التاسعة ليلاً ولم يقطع على أفكاري وذكرياتي إلا ضحكات مؤنس وهو يسمع أمي تدعي وتتوسل إلى الأنبياء والصالحين والأولياء ليسيروا معنا في رحلتنا لنصل بسلام. وأما أريحا فهي جنة في هذا الوقت وصلناها فإذا بها ترقد بسلام تتمتع بالدفئ بعيداًعن العواصف والضباب والأمطار. ومع كل هذا فما كادت السيارة تقف وشعرت بقدمي تطأن الأرض حتى شعرت بغصة في حلقي وتزاحمت في خاطري الذكريات. وأما الأولاد فقد سارعوا بالنزول وتسابقوا للدخول من البوابة الصغيرة وأما عمر فقد بدا عليه أنه  يتذكر وبدأ يشير ناحية البيت القديم ثم سأل هون بابا- ثم صمت وبعد قليل عاد ليسأل هون خالو فاروق ويوسف.. وقسمت؟ لقد عدنا اليوم بعد الظهر بعد أن أمضى الأولاد يوماً رائعاً فقد أخذهم أبو سليمان إلى الحديقة الغير مطروقة في طرف البلاد وهناك تفرج عمرعلى السعادين وبقية الحيوانات. وكنت مرتاحة إلى الرجوع وكأني أحس أن هنا أقرب إليك. في بيتنا. هنا حيث أمل أن تأتيني رسالة بدون تأخير أو خبر أو أي همسة قد تحمل الأمل. وبعد أن تحمم الأولاد ونام عمر تحدثت مع مؤنس حديثاً طويلاً وتركت له المجال ليفتح نفسه ويزيل عنه أثقالها فإذا به أهدأ نفساً مما عهدت، واذا به قد عاد لثقته بنفسه بالرغم من شعوره بأن مُثله قد تحطمت وتناثرت وتلاشت وترك ذلك كله أثراً من مرارة وخيبة نزيل اثرها ونتعزى بقراءة مقدمة إبن خلدون والتي قرأناها معاً قبل سنوات وسنوات في بيتنا الصغير بعد نكبة فلسطين، فاذا بنا اليوم نقرأها لأولادنا لنزيل من أنفسهم أثر الصدمة، وليعلم أن هكذا خلقنا، وأننا لا نشذ عن أسلافنا العتيدين أبداً.

لقد وجدت دفاية قوتها 220 فولت فهل تصلح أرجو أن تسأل وتخبرني لإرسالها حالاً.

هل أخبرتك أن في يوم عيد مؤنس كنت أنظر نحو الباب وأشعر بأنك ستدخل وأقطع الكعك وأشعر بأنك ستأتي بعد قليل وأصب لك الشاي وستعلق على الكعك الذيذ. خاصة عندما قاربة الساعة السابعة كان من غير المعقول أبداً أن لا تعود وتفتح الباب وتشترك معنا ويرقد الأولاد ويتجمعون حولك ويستأثر مؤنس دون عمر بحصة الأسد من اهتمامك في يوم عيده.

ولليوم كلما طلبنا منه أن يكتب إليك غامت عيناه وشردت نظراته، ولكنه اليوم تناول القلم وبدأ بالكتابة ولست أدري ماذا سيكتب بعد صمت هذه الأيام.

سأخذه في الغد لتمضية النهارعند نعمت التي حضرت له سريراً خاصاً في غرفة هشام (1) وينتظر الأولاد ذهابه لعندهم بفروغ صبر. وأظن أن وجوده مع هشام بعد أن أصبح ناضجاً سيفيده نوعاً ما. ولكنه لن يذهب قبل إتمام امتحاناتة.

تحياتي للرفاق جميعاً ولك كل حبي وشوقي.

لمعه

 الرسالة بخط اليد:

(1) هشام المفتي، ابن خالة مؤنس.