١٩٥٧/٧/١٩ خيبات الامل..”من الجفر الى سجن العبدلي الى الجفر “

لمعه الحبيبة ،

إذن لقد كانت واحة في صحراء، أو كانت سرابا، أو حُلماً. لست أدري. لم تحصل قبل اليوم أبداً. لم يحصل أن خرج معتقل للتحقيق ورجع إلا إذا حكم عليه. أما بهذا الشكل فلم تحصل أبدا  لم أكن أُقدر أننا سنسافر وبهذه السرعة. كنت أظن أن رؤيتي لكم ستطول بعض الشيء، على الأقل إلى أن تنتهي المحاكمة إن كان هناك محاكمة. ولو كنت أعلم، لما اقتصرنا على اجتماع نصف ساعة، بل لمددنا الإجتماع ساعة أو اثنتين أو أكثر حتى نشبع من بعضنا. وهل نشبع؟ شيء واحد فرحت له، هو أنني رأيت مؤنس للمرة الثانية وكان ضاحكا مستبشراً أنيساً مؤنساً، لا كما رأيته للمرة الأولى. ماذا في نفس هذا الطفل؟ ماذا في نفسه حتى ينقلب باكياً حين يراني؟ كم في نفسه من أسى، كم في نفسه من حقد يتجلى حين تتاح له الفرصة أن يتجلى؟

حين أبلغونا بالسفر في السابعة من مساء الخميس، لم يخطر في بالي أنني سأرجع إلى الجفر، فالجفر ليس مشكلة بالنسبة لي. ولكن الذي خطر في بالي أول ما خطر أنتم. أنتم الذين بنيتم املاً، وعشتم على أمل. مؤنس الذي رأى أباه، وقدر أن موعد رجوع أبيه إلى البيت أصبح قريبا. مؤنس الذي يحاول أن يقنعني بسرعة العودة  فيقول أنكم بعتم الراديو القديم واشتريتم راديو جديدا ووضعتموه في غرفتي، ألا أريد أن أراه؟ خاب أمله. كم خاب أمله. هذا الطفل الذي يحتمل فوق ما يحتمل الأطفال، وأكثر مما يجب أن يحتمل الأطفال. ومع ذلك فلا بأس. وصلت اليوم بعد رؤيتكم. فتجددت قواي. أنا الآن مستعد لمسح ما مضى والبدء من جديد. مشكلتي أنا لا تهمني. الجفر أكثر حرية وأقل ضجراً من العبدلي. ولكن في العبدلي أراكم. وهذا يجعلني أقوى احتمالا من أي مكان أخر. ولكن هل هذه حقيقة؟ لو أطلت المقام في العبدلي ورأيتكم باستمرار، دون أن أتمكن من الذهاب للدار لضعفت أعصابي. هنا أفضل. هنا أو البيت. إذن أنا غير مرشح للإفراج الآن. لا باس. إن احتمالي قوي. فطمئنيني بأن احتمالكم قوي.

الأفضل أن نعطي العيادة لعيسى أو لنبيه الشوارب، أو لزيد حمزة. وأُفضل الأول. سوف يشغلونها طيلة غيابي فحسب. سوف يسلمونها حالما يُفرج عني. وستبقى اليافطة مرفوعة. أقل ما يمكن فإنهم يدفعون الإيجار فلا نتحمله دون عمل.

لمعتي :

كانت نصف ساعة قصيرة جداً. ولكنها أعطتني قوة في الاحتمال عظيمة. سنعبر. ويوما  ما ستنجلي الأحوال وستعود المياه إلى مجاريها. قبلاتي لك ولمؤنس, سلامي واحترامي للجميع .

منيف

منيف لمؤنس: رجعت مطرح ما كنت..!

حبيبي مؤنس :

أنا كنت مبسوط كثير لأني شفتك. شفتك صرت كبير وشاطر وبتفهم. أنا رجعت مطرح ما كنت. ما بطول كثير. بجي بعدين مشان تفرجيني على الراديو. خليك شاطر مشان أحبك دائما. أيها البطل الصغير.

بابا

ملاحظة : هل وصلتكم الأغراض التي أرسلتها مع أسامة ؟

الرساله بخط اليد: