١٩٥٧/٧/٢٩ ” رسالة مطمئنة عقب سواد طغى على كل شيء “

يامنيفي الحبيب.

أشعر بهدوء غريب وراحة نفسيه للمرة الاولى بعد هذه الأشهر السوداء .. أشعر براحة تنبعث في أعماقي ويدي تضم رسالتك الأخيرة وعيني تنتقل من عبارة إلى أخرى لاتريد ابداً أن تنتهي من قراءتها..

وكنت للآن أعود لرسائلك السابقة .. لرسائلك في المنفى الماضي (1) كنت أعود إليها وأعيد تلاوتها لتسكب في نفسي أثراً من تلك الشعلة المقدسة ولأشعر ببعض ذلك الحب والحنو واللهفة التي تقطر في كل كلمة وعبارة فيها.. وقد مَسحت رسالتك تلك ذلك السواد الذي طغى على كل شي وطمس كل شيء.. مسحت بيد رقيقة فأعادت إلي الثقة والاطمئنان.. اعادت إلي قبس من نور ينير لي الحياة! ألم يكن جديراً بي بأن أخفف عنك مثلما خففت؟ ولكني كتبت رسائلي السابقة في حالة غير طبيعية وأرسلتها وأنا تحت تأثير نفسيه يائسة ناقمة.. ولاريب بأنك ستلاحظ ذلك وستكتشف أن شيئاً غريباً قد حدث وأن تطوراً كبيراً قد أوصلني إلى نهاية الطريق بصدمة واحدة مفاجأة!

ولكنك انتقلت بي من حال إلى حال.. ولكني ما زلت غير مستطيعة للأخذ والرد والدخول في أحاديث طويلة.. يخيل لي بأن هناك أحاديثا متصلة في داخلي .. وفي أفكاري لا أريد لاحد أن يقطع تسلسلها.. وقد طلب إلي مؤنس الليلة أن أحكي له قصة فتضايقت وقلت له بدون مواربه إسمع الوقت متأخر فالأحسن أن تنام وأنا أريد أن أفكر بالبابا وفيك. فأجاب العفريت إسمعي إحكي القصة الآن وفكري في وفي البابا غداً صباحاً فلم يسعني إلآ أن أقبله وأن أجمع اشتات فكري وابذل مجهوداً لإخراج قصة.. ومع كل المجهود لم تعجبه أولاً لأنها قصيرة.. ثم لأنها تبحث عن الآلهة (وهي اسطوره قديمة قرأتها عن ملكة الجحيم) وهذا في رأيه حرام ويغضب الله ثم أدار ظهره لي وقال أحسن إرجعي فكري في بابا. فما رأيك.

اليوم اجتمع مجلس الإعمار برئاسة هزاع المجالي للنظر في أمر الموظفين. وقد فهمنا أن المعاشات ستنخفض إلى درجة كبيرة لتساوي درجات الحكومة ولكن الذين سيُستغنى عنهم سيُدفع لهم راتب شهرين وفي وسع من لا يعجبه الترتيب الجديد أن يستقيل ومع هذا ألا يفقد حقه في راتب الشهرين. ولا أظن بأني في حاجة إلى تمني أن أكون ضمن هؤلاء. فمكاني محفوظ ولاريب على رأس القائمة ومهما يكن الأمر فلا بأس من العودة لحياة الترف والنوم إلى الساعة التاسعة صباحاً! آلا أعزي نفسي على أحسن وجه؟ وعلى كل فهذه رغبة من رغبتك قد تحققت! أو على وشك التحقيق.

كيف صحتك الآن؟ هل استعدت نشاطك بعد الانفلونزا والسفرة المضنية؟ إن حسابها خاص لوحده هذه السفرة التي لم يحسب لها حساباً!

الطقس حار جداً عندنا هذين اليومين فكيف هو عندكم؟ هل أخذت معك نظارة الشمس؟ سمعت أن الشهر الثامن شهر غبار وزوابع في الجو فأرجو أن تُحل الأزمة قبل أن تضطروا إلى احتماله. فعسى ولعل!! ها قد عدت إلى الانتظار والتأمل. من يدري. قد أراك داخلاً ثانية وانسى هذه الفترة السوداء؟ من الممكن أن أراك داخلاً قريباً ولكن هل من الممكن أن أنسى كل هذا الذي مررنا به؟ محال! إنه ضرب من المحال.

الجميع هنا بخير. فاروق (2)سيأتي في أوائل الشهر القادم مع أطفاله فقط إذ أن زوجته مريضة تحت العلاج في المستشفى ووليد (3) يقول بأن علاجها قد يطول إلى سبعة أو ثمانية أشهر إذ لديها إلتهاب في الركبه.

أبو زياد يسلم عليك وأخبرني أنه قد سُئل عن السيارة عدة مرات وأن هناك راغبين في شرائها ويدفعون فيها ثمناً مغرياً ولكني لم اسأله على التفصيلات وقلت له بأننا لن نبعها في الوقت الحاضر وفي رأيه ان بيعها وشراء سيارة صغيرة كالفولكس فاجن أوفر وأريح وبينت له وجهة نظرك فقال في الحق انها سيارة ” لقطة” معكم حق في التمسك بها وهو يعتني بها بشكل كبير ويغطيها بشمع ينسدل إلى الارض بعد أن رفع بطاريتها.

اليوم عيد الهجرة على ما اظن.. ترى كم من الأعياد ستمر وأنت بعيد عنا.. الأوفق أن انهي الرسالة فما أريد أن أعود إلى الشط في الكتابة وقد تعود أفكاري إلى الإلتواء..الاسوداد..سأنهي الرسالة بقبلة كلها أشواق.

لمعه

الرساله بخط اليد:

(1) كان منييف قد نفي الى سوريا لمدة قصيرة في اوائل الخمسينات.

(2) فاروق بسيسو ، الأخ الأصغر للمعه.

(3) الدكتور وليد بسيسو ، الأخ الأكبر للمعه.