١٩٥٨/١٠/٢٣ “هل يبكي الكشاف الصغير؟ “

منيفي الحبيب ..

مضت أيام وأنا أحاول الكتابة فلا أستطيع . أحيانا بسبب الضيوف يفدون وأنا على وشك الابتداء.. ثم بسبب ضيق انتظر زواله لأكتب ثم انتظر.. لعل تقديراتنا وتشاؤمنا يكون في غير محله. لربما تصلون .. وتعودون هكذا فجأة كما أُخذتم فجأة!

استلمت رسالتك المؤرخة في 16 و19 وشعرت بالغبطة تجتاحني ولكن لم البث أن أحسست بانتكاسة كبيرة وشعرت بالدنيا تضيق وتُظلم وتخلو من كل شيء إلا من هذا الإحساس المظلم. ثم أتى مؤنس وأنا أحاول قراءة رسالتك الأخيرة للمرة الثانية فإذا به يصر على أن يسمع رسالتك إليه ويسمع حديثك إليه واحترت كيف اصرفه ثم قرأت رسالتك السابقة فقال ” ياه! هذه رسالة قديمة! فما كان أمامي إلا أن قرأت له الفقرة التي تتكلم فيها عن الكشاف الصغير! طبعا بصيغة المخاطبة له وقد بدا عليه السرور وبرقتا عيناه وخرج ليلعب من جديد ليعود بعد قليل متذمرا  نعم ؟ ما القضية الآن ! فيجيب ” ايش يعني الكشاف بيخلي الواحد يستحي يبكي فأنا مهما جرى لي لا أستطيع البكاء لأني كشاف!! فحمدت الله وشكرته طبعا على هذه النتيجة التي توصل إليها ولكن.. لا شك انه ينسى انه كشاف بعض الأحيان وعندما اذكره يحتج بأنه على كلٍ لا ينسى ذلك أبداً في المدرسة وقد تأكدت من صدقه من هيثم طبعا فهو يتصرف ككشاف بكل معنى ويحافظ على الأسرار التي يتعلمها وقد همس لي يوما  “ماما . تصوري ولد من الصف الأول سألني عن إشارة الكشاف فأدرت له ظهري وبعد يومين أتى ورسم لي الإشارة على الرمل ولما سألته قال بأن أخيه في الصف الرابع علمه إياها !” وهو يعتبر ذلك منتهى الخيانة لمبادئ الكشاف.

أما دروسه فهو يتقدم فيها بشكل مرض والمهم انه يقبل على الدرس ويتلذذ به ويؤكد  لي بان دروس الثاني أسهل بكثير وأحلى من دروس الأول ، على حد تعبيره ! في الإنجليزي ممتاز والحساب عاد وتذكر وأصبح يأخذ  بين 90 و 80  وأما العربي فالغريب انه يكتب معي الإملاء بدون غلط أو بغلطه أو غلطتين على الأكثر وعندما يذهب إلى المدرسة تتعدد غلطاته وقد سألته عن السبب وأنا أؤنبه “ألا تكرر المعلمة الجملة مرات كافية ” لا يا ماما ، السبب أنها تعيد الجملة ماية مرة فلتخبطني”! فهل من تدبير لهذا ! ابنك هذا فظيع وربنا يساعد معلمته عليه ! المهم انه كبر وكبر جداً وهو ينتظر أن تحضر عيد ميلاده! وقد اعترف لي بأنه كان يحبك أكثر مني سابقا ولكنه يحبني أكثر الآن ! فقلت له ” اطلع من هالمعط يا عفريت بس عشان بابا مش هون بتضحك علي ” فضحك وقال ” لا والله مضبوط صرت أحبكم زى بعض لأنك بعض المرات بتلعبيني زي بابا” !  ما رأيك؟ على الحالتين أنا على الرف معه فيما يظهر!! ولد عاق!

الدكتور أسعد أتى لعندي من بضعة أيام وكانت معه زوجته سهام وقد اعتذر عن تأخره فأخبرته إني أحسن الآن ولكنه أصر على فحصي وقد فعل وقال باني بحاجه لإبر ستريتمايسين مع بعض الأدوية الأخرى وقد اخذ الروشيتة ليرسلها لي من عنده وكان لطيفا جدا وطلب مني أن اتصل به إن احتجت لأي  شيء  وان المستشفى على استعداد لأخذي في أي حين اشتكي فيه ( لا سمح الله طبعا ) وقد اخبرني بأنه أتى من مدة لزيارتي ولم يجدني ومن تعيين الوقت لا ريب أن ذلك كان في الفترة التي كنت فيها في ” دير أبو سعيد”  ولكن أرجو أن تخبرني هل أستطيع اخذ إبر ستريتمايسين أليس لها أي ضرر يشبه البنسلين؟؟

هل استلمت كتابك. لقد أرسلته من مدة ولم تخبرني انك استلمته. وعلى كلٍ لدي مبلغ عشرين ديناراً فائضاً من الشهر الأول الذي ذهبت فيه للجفر فهل أرسله الآن كعلاوة للشتاء واحتياجاته !

أما رسومات أمين(1) فقد كنت رأيتها حين وصولها وقد أعجبت بها فعلا وأعجبت بخياله وقدرته على تفجير الفن والعبقرية في تلك الربوع الجرداء !

” مقص الرقيب ”

استغرب قولك بأن المجلات تصلك وليس فيها تقريبا ما يقرأ ! مع العلم بأنها هنا تمر على الرقيب قبل توزيعها على الناس، فهل يعني هذا أن هناك أكثر من رقيب؟ وأكثر من يد تعمل تمزيقا وقصا؟! إن كان الأمر كذلك وان كانت المجلات تصلك بالفعل خالية إلا من الإعلانات فاخبرني  لنوفر الثمن على الأقل وأجرة البريد ونتفادى هذا المصير للمجلات المسكينة !

الأهل في الشام(2) بخير جميعهم وان كان الاتصال المباشر مقطوعاً، وقد سالت مؤخرا إحدى الصديقات أن تزورهم وتطمئنهم عنك. وقد  فعلت وأخبرتني بأن جميعهم على ما يرام يسألون عنك وعن أخبارك. وقد أخبرتني أنها علمت بان عفيف(3) سيذهب إلى روما للدراسة على حسابه الخاص طبعاً لان البعثات فاتته. لك حبي وقبلاتي ومن مؤنس قبلات وشوق وانتظار.

لمعه

الرساله بخط اليد:

(1) بعض رسومات امين شقير موجودة في ” بيت شقير” في شارع خرفان في جبل عمان.

(2) أسرة منيف التي انتقلت الى سوريا في الأربعينات.

(3) شقيق  منيف الأصغر.