١٩٥٨/١٠/٢٥ “سنة ونصف على السجن..” غريبة هذه القدرة في الانسان على تكييف نفسه ..

لمعتي الحبيبة :

هذا هو اليوم الأول من الشهر التاسع عشر، صباح اليوم أكملت عاماً ونصف، وبدأنا نصف عام جديد، نعلم متى يبدأ ولا نعلم متى ينتهي. ولكن سينتهي حتماً بشكل ما، وسنلتقي ونبدأ حياتنا من جديد، كيف؟ ومتى؟ لست أدري. ولكنني أعلم أن هذا اليوم اّتٍ لا ريب فيه. ولو قيل لي قبل عام ونصف أنني سأسجن هذه المدة لصعقت. من يصبر على سجن يطول هذا الطول دونما سبب يبرر له هذا السجن الى نفسه؟ ولكننا تأقلمنا وتعودنا، ويكاد الإنسان يشعر أنه ابن سجون منذ زمن طويل..غريبة هذه القدرة في الإنسان على تكييف نفسه حسب أحواله وبيئته مهما قست.

يوم الخميس، قبل يومين، وُزعت الرسائل، وكنت أتوقع أن أجد منك رسالة، وإذا بي أستلم المجلات ولا رسالة.

وأنا أعلم أن البريد فوضى أحياناً ولكنني أظن أنك تكاسلت قليلاً في الأسبوع الماضي، أليس كذلك؟

حدثني أحد المعتقلين الشركس بأن زوجته كتبت له تخبره بأنها سمعت بأنني مريض وتستخبره عن صحة ذلك، ودائما أعجب لهذه الأخبار كيف تنتشر، فالحق أن صحتي جيدة وليس بي ما أشكو منه، حتى ألم الساقين الذي شكوت منه قد خف كثيراً حتى لا يكاد يوجد حين أُنزلت ساعات المشي الى ساعة واحدة في اليوم بدل ساعتين أو ثلاثاً كنت أمشيها في السابق، بل وخمس ساعات أحياناً.

كيف صحتك أنت؟ هل مازلت تتناولين العلاجات؟ هل ما زلت تشعرين بضيق ما أو ألم؟ أرجو أن تعتني بصحتك، فصحتنا هي رأسمالنا.

الإشاعات ما تزال هنا تروى عن قرب الإفراج عن عدد منا، ولكننا كما أخبرتك سابقاً لا نلدغ  من جحر عشرين مرة.  ونلقي بهذه الإشاعات غير اّبهين لها ولا مصدقين. فلقد طالما سمعنا وطالما أملنا حتى تمسح جلدنا.

كيف حال مؤنس؟ لقد مر زمن طويل دون أن يكتب لي رسالة، حتى زملائي المعتقلون اشتاقوا لرسالته. فهل يمكن أن تضبطيه مرة ليكتب؟

لك لمعتي حبي وقبلاتي وأشواقي، وللجميع سلامي واحترامي.

منيف

الرساله بخط اليد: