مؤنس يتذكر اعتقال الوالد عام ١٩٥٧

 شاحنات مكتظة بجنود مدججين.. وجوهم مموهة بالفحم.

أنا في السادسة من عمري، وأبي في عيني الساذجتين أقوى رجل في العالم.

رأيت أبي، بطلي المقدس، عاجزاً تماماً.. حتى أنه لم يبد أي مقاومة.

الساعة السادسة صباحاً، كانت أمي تهيئني للالتحاق بباص المدرسة “سفرطاس” فيه ساندويشات وتفاحة حمراء.

المشهد مرعب، أكذب عيني، خيالي أدخل في روعي أن الجنود يقتلوننا جميعاً: أنا وأمي وأبي وجدتي لأبي الشركسية- التركية- البوسنية- السورية!!!

أخذتني أمي إلى صدرها، ضمتني بقوة، ناشدتني:

– إغمض عينيك.

لكني عيني جاحظتان وتزدهران رعباً أسود، وذهولاً مظلماً، وصدمة داكنة.

بدت السماء الزرقاء من الشرفة الأرضية المفتوحة متصدعة على نحو مفاجئ. هي التي كانت متماسكة ذات غيوم محببة الأشكال منذ تفتح وعي الزرقة كانت إيجابية متعاطفة مؤنسة محببة.

للغيوم ملامح العاب تحبني:

دببة وقطط وعمالقة طيبون وراقصات وراقصون سحرة يتقمصون أقنعة وهويات متغيرة في حركة جدلية لا تتوقف.

السماء التي تصدعت فوق الخوذ والوجوه المرعبة كانت كئيبة وخالية من الغيوم، الغيوم قرت.. وتخلت عني!

بيت جدي لأمي مجاور، بيت خالتي وزوجها وأولادها هشام وهيثم وهمام فوق بيتنا.

هرع الجميع، جدتي لأمي دهمتها نوبة رعب تنتحب هلعاً.

الضابط، قائد القوة العسكرية، كان مهذباً رزين الأعصاب، قال لأبي بصوت عميق وبلهجة تنم عن فروسية واحترام للخصم:

– خذ وقتك دكتور.. حضر حقيبة صغيرة فيها منامة وآلة حلاقة وفرشاة أسنان.

كان والدي صلباً متماسكاً غير مصدوم، وكأنه يعتبر كل هذا الهرج والمرج أمراً طبيعياً متوقعاً فنمت في أعماقي مشاعر غضب- إلى جانب مشاعر الذهول والصدمة- وانصب غضبي المكتوم المغيظ على أبي الذي لم يقاوم.. علماً بأنه أقوى من كل الجنود!!

وحدها جدتي لأبي، الشركسية- التركية- البوسنية- السورية.. ذات العربية المتكسرة انتبهت إلى الدموع الجامدة في عيني، فأدخل في روعها أن دموع جدتي لأمي أصابتني بالعدوى، فصرخت زاجرة في وجه جدتي الثانية:

– ليس أنت بيبكي، منيف بيشتغل في سياسة، اللي بيشتغل في سياسة.. بيعرف إنو رايح على السجن أو على الرئاسة!!

(في بال جدتي تجربة الانقلابات السورية.. لكن هذه عمان التي أحبها كأمي، لا دمشق التي لا أعرفها).

كان أبي والضابط، الهادئين الوحيدين.

الجنود متوترون وأسلحتهم جاهزة، وأقاربي يتأرجحون بين السخط والرعب.

أما المحيط الخارجي فقد شقته شروخ نبعت من الآفاق وانصبت في أعماقي السحيقة شيء ما، في أعماقي، انكسر! أشجار السرو العملاقة الواثقة من نفسها المكتفية بذاتها بدت عاجزة قابلة للإذلال!

قلت: على عكس الضربات الثلاث الأخرى.. كانت ضربة 1957 التي حملت والدي إلى المعتقل الصحراوي في صحراء “الجفر” الأردنية منطقية أو مفهومة على الأقل، فهي صدرت على قاعدة “نتغدى بالحكومة إذا لم تفطر بنا.. فأفطرت الحكومة بنا!”.

إذن، كانت هذه الضربة منطقية ومفهومة ومتوقعة.

الضربة القاضية الأولى هذه جعلتني أترنح بشدة، وأفقدتني ذلك الحس الغامر بالاطمئنان والأمان، إلا إنها لم تقض علي.

وسوف أكتشف فيما بعد أن ضربات الرفاق والرفيقات كانت أفدح وأقسى بكثير من هذه الضربة الأولى.