١٩٦٣/١١/٢٤ “… مع ذلك كله لم يغمرني التشاؤم! “

لمعتي

رسالتك التي استلمها اليوم كان لها تأثير كبير على نفسي . والواقع أنها أثارت كوامن الشجون التي نحاول جهدنا أن نغطيها بقشة من المرح الذي نصتنعه إصطناعاً ونحن نعلم حق العلم ماذا تخفي هذه القشة من تحتها. واذا كنا نحن أنفسنا بكل ما نملك من أسباب التغلب على هذه الشجون نتعثر أحياناً وتنكتشف هذه القشة ليظهر ما تحتها. فكيف بطفل كمؤنس مازالت أعينه بريئة التفتح على الحياة يحاول أن يفهم لما يدور حواليه معنى ولكنه مايلبث أن يصاب بصدمة إثر صدمة! ونفسه لا تكاد تلحق  بهذه الدوامة المسرعة أشد الإسراع والتي لا تتئد لترك له فرصة فهمها وملاحقتها؟ بل التي لا تتئد لتترك لنا نحن الكبار المجربين فرصة هذا الفهم وهذه الملاحقة. وأي جيل هذا الذي ينمو في هذه الظروف ويتعرض لم يتعرض له؟

ولكنك ستبقين دائماً ملجأه الأمين، الذي يستريح إليه ويطمئن إلى حنانه وفهمه. ولاشك أن الذي تقومين به وتحملين عبئه لا يتاح أيضاً لأطفال كثيرين. إنك مرفأه الأمين، الذي يلجأ إليه ليجد فيه الإستقرارالذي يفتقده والإطمئنان الذي لا يجد إليه سبيلاً إلا بك ومعك. وأنا واثق أنه لن يجد صعوبة ضخمة مادمت أنت بجانبه. ولاريب أن التخفيف من أمر الذي يمر به بالتجرد الذي تحدثت عنه هو السبب الأقوم لمعالجته ولشد عزائمه.

إننا جميعاً نعيش في دوامة من الحيرة. نحاول التغلب عليها بالتفاؤل وبهدوء الأعصاب أحياناً وبإفتعال المرح أحياناً أخرى. وبتسليم أمرنا الى القدر الذي يسوقنا بعصاه سوقاً لاندري أين يصل بنا. ولكنني مع ذلك كله لم يغمرني التشاؤم . لا أدري لعلي أغش نفسي. ومع ذلك فأنا لا أرى الظلمة قريبة.

يؤسفني أن رسائلي لم تصلك منذ مدة. ولكن ما العمل وأنا المسؤول هذه المرة عن ذلك؟ فلقد عنونت لك رسالتين إلى أريحا بإعتبار انكم سافرتم إلى هناك منذ يوم الأحد الماضي. أما رسالتي قبل يومين فأرسلتها إلى مدرسة المطران في نفس رسالة مؤنس. وأرسلت لمؤنس رسالة عن طريق أبو النصر ثم رسالتين عن طريق المدرسة وأنت لم تخبريني حتى الآن عن العنوان الذي أرسل إليه رسائلي، ولا عن الموعد المحدد لنزولكم إلى أريحا. ولذلك فمازلت محتاراً في عنونة هذه الرسالة أيضاً.

حسناً فعلت بالدكتور شيخ الارض، فلا حاجة لنا به. والأفضل أن تبقى العيادة مغلقة إلى حين إنتهاء إيجارها في الخامس عشر من شباط. فإذا بقينا حتى ذلك الوقت فرغناها وسلمناها لصاحبها.

سلامي إلى الجميع وقبلاتي لمؤنس ولعمر. ولك حبي وأشواقي.

منيف

الرسالة بخط اليد: