د.محمد الشياب / مقال

 فلسفة التحرر القومي عند منيف الرزاز

الحديث عن فكر منيف الزارز، في هذه اللحظة التاريخية التي نعيش، قد تكون مفيدة، ويمكن أن تساعدنا في فهم الصعوبات والمشكلات التي نواجهها بسبب تفاقم المد الإمبريالي في شكل استعمار اقتصادي، وتكريس الاحتلالَين الصهيوني والأميركي، والتبعية الشاملة والكاملة للرأسمالية الغربية.
يبدو واضحاً أننا ما نزال نعيش ذلك الصراع الفكري التائه الذي يحاول أن يفرق بين الاستعمار وبين الإمبريالية الجديدة، بين الإمبريالية والصهيونية، ويميز بين الصراع القومي والصراع الطبقي، بين تحديات اليوم وتحديات المستقبل، بين التنمية الاقتصادية والمجتمع الاشتراكي، بين بناء الاشتراكية وتحرر المواطن، بين القومية والإنسانية، بين النظرة القومية والنظرة الاشتراكية، بين الطموحات والإمكانات، وفق تحليل منيف الرزاز.

ينظر الرزاز إلى القومية بأنها انتماء، انتماء لوجود، قبل الاستعمار وبعده. والحركة القومية رباط نضالي تخوضه القومية حين تصبح هدفاً للتحدي. القومية تتحول إلى حركة قومية حين يكررها التحدي على التفكير في ذاتها. فالقومية في الأصل، قد تكون موجودة، وقائمة ومسلَّماً بها، غير مضطرة أن تفكر في ذاتها، ولكن حين يصبح وجودها مهدَّداً بالضياع، فإنها تُدفع دفعاً إلى التفكير في ذاتها، لتنظر إلى ذاتها من حيث هي موضوع، ولتلتصق بهذه الذات، ولتدافع عن الذات الموضوع، وتناضل من أجل البقاء، ومن أجل النمو، حينذاك تتحول القومية من وجود قومي إلى نضال قومي وحركة قومية.
بهذا، فإن الحركة القومية لا تكتسب صفاتها وخصائصها من ذاتها، أي من مجرد أنها حركة قومية، إنما تكتسبها مما تعبّر عنه من قضايا وما تسعى إلى تحقيقه من أهداف.
وإذا كانت الحركة القومية في الغرب قد وُلدت في حضن التنافس الاستعماري والنمو البرجوازي الاستغلالي، واتخذت صفاتها وخصائصها منهما، فإن الحركة القومية في المستعمرات قد وُلدت في حضن الحركة المقاومة للاستعمار بكل ما فيه من احتلال واستغلال وكبت وتمييز عنصري واستعلاء واغتراب مطلق للإنسان وللإنسانية. ومن هنا كانت الحركة القومية في المستعمرات حركة تحررية، وكانت نقيض الحركة القومية الغربية ونفياً لها.

 ينطلق منيف الزراز في بناء فلسفته القومية، من حقيقتين:
-إن مشاكلنا الأساسية، حين نضعها في محورها التاريخي، إنما هي نتائج وردود فعل لوضع سياسي واقتصادي واجتماعي قائم في عالم هو العالم الغربي الرأسمالي. وبالتالي فإن ما نسميه “مشاكلنا الخاصة” ليست في حقيقتها نابعة من تطور ذاتي محض، بقدر ما هي نتاج علاقات استعمارية طويلة مع دول الغرب المتقدمة. لذلك فإن الحركة القومية لم تنشأ من تطور ذاتي منعزل، وإنما وُلدت نتيجة صراع الشعوب مع الاستعمار والمناهضة له.

-إن عالم اليوم، بحكم طبيعته الكونية، الناشئة عن يسر المواصلات والإعلام في العالم، يكاد يكون عالماً واحداً، ومشاكله وإن اختلفت في أصولها وفروعها، إنما هي مشاكل متقاربة، مشاكل انسان العصر الحديث، ومن هذا المنطلق فإن فلسفة الرزاز القومية، وبسبب هذا الوضع التاريخي الذي تعيشه، أخذت بالفكر الماركسي، بشكل خاص، في تحليل قضايانا، ثم تركيب حلول هذه القضايا، لتعالج مشاكلنا نحن، وقضايانا نحن. ذلك أن ماركس حين عالج مشكلة الإنسان الاجتماعي ومشكلة الصراع الطبقي، ومشكلة التناقض الرأسمالي بنظر الرزاز، لم تكن معالجاته محصورة في مكان معين وزمان معين، بل تعدّت ذلك لتصل الإنسان في ماضيه السحيق، والإنسان في مستقبله البعيد، من هنا نتجت فلسفات لينينية وماوية وتروتسكية وفانونية.. إلخ.

تأسيساً على هاتين الحقيقتين جاءت فلسفة الحركة القومية العربية، بمنطق خاص، تعكس واقعاً تاريخياً معيناً لم نصنعه، ولم نضع نحن فلسفته، وإنما فرضت هذه الفلسفة نفسها علينا فرضاً، فاتسم منطقها بالآتي:

-المنطق التاريخي
يعيش العالم العربي، منذ عرف الاستعمار، بحسب الرزاز، عملية صراع مستمر؛ صراع مع تحديه الخارجي، وصراع مع تحديه الداخلي، وصراع مع “الغير”، وصراع مع “الذات”. صراع مع الاستعمار، وصراع مع التخلف. تلك هي الحقيقة الأولى في تاريخنا، ولهذا فقد طبعت هذه الحقيقة فلسفة الحركة القومية العربية بطابعها الأساسي، طبعتها بالصراع الدائم، الذي هو “عملية تاريخية”. من هنا كان المنطق التاريخي هو الصفة الأولى لمنطق هذه الفلسفة.
-المنطق الجدلي ويعني به الرزاز، أن كل واقع تاريخي، مهما بلغت مظاهر ثباته وسكونه، هو في حقيقته، في صراع دائم بين مجموعة القوى المكونة له ومجموعة القوى المناقضة له، المتطلعة إلى ما بعده. وبالتالي فإن مجموعة القوى المكونة لأي واقع، وإن كانت هي تصنع التاريخ الظاهر في حقبة ما، تصبح هي نفسها معطلة لسير التاريخ، حين يتجاوز بقاؤها حقيقةَ وظيفتها التاريخية، وحين تصبح عقبةً أمام القوى الكامنة الصاعدة المدركة للتناقض القائم بين الحاجات التي أصبحت ملحّة للمجتمع وبين الإمكانات التي تقدمها القوى القائمة على المجتمع والمسيطرة عليه. في ضوء هذا المنطق فإن فلسفة الحركة القومية تلتقي هنا إلى حد كبير، مع جدلية هيغل، ثم مع الترجمة الماركسية لهذه الجدلية إلى ما يقع فعلاً في المجتمع الحقيقي القائم.

-المنطق الثوري
عبر التجربة الثورية القومية، لابد أن تبرز، بنظر الرزاز، التناقضات الداخلية، فتتضح العلاقة الجدلية التاريخية بين التناقض الخارجي والتناقض الداخلي، بين الثورة على التحدي الاستعماري والثورة على التحدي الطبقي، بين تحرر المجتمع الإنساني من الاستعمار وتحرر الإنسان من مجتمعه ذاته، من قيود الاستغلال الداخلي المتمثل بالإقطاع والبرجوازية، وتتبين علاقة التحالف بين الاستعمار والطبقات المستغلِة، فيتضح هدف الثورة في النهاية بأنه خارجي وداخلي في آن معاً، ضد هذا التحالف الذي يجمعه منطق واحد هو منطق الذعر من الثورة الجماهيرية.
من هنا تأخذ الثورة معنى شاملاً، خارجياً وداخلياً في آن معاً، سياسياً واقتصادياً في آن معاً، قومياً وطبقياً في آن معاً… ثورة على التحدي الخارجي، والقضاء على استغلال الشعب، واستغلال نظام لنظام، كما تكون في الوقت نفسه، ثورة على التخلف، وعلى الاستعباد الداخلي، وعلى العلاقات الاجتماعية الهرمية الهرمة، والتقسيم الطبقي، وثورة من أجل بناء مجتمع حديث، لا طبقي، قائم على المساواة، وعلى حرية الإنسان، وعلى إطلاق طاقاته الذاتية الكامنة المكبوتة.

 -المنطق العلمي
حتى تكون فلسفة الحركة القومية “علمية”، أو متسلحة “بالمنطق العلمي” فإنها تفترض أولاً: أن العالم الخارجي الموضوعي موجود، لا مجال للمثالية أو الغيبية أو لإحلال الروح أو العقل محله، وأن الإنسان والمجتمع جزء من هذا العالم الخارجي الموضوعي الموجود. كما تفترض، ثانياً: أن معرفة العالم الموضوعي هذا إنما تتم مبدئياً، بمشاهدة ظواهره، وتغيراتها وتطوراتها، بدءاً من العالم نفسه. وأن تفترض، ثالثاً: أن قانون “العلمية”، قانون أساسي موجود. وأن تفترض، رابعاً: أنه نتيجة هذا كله فإن ثمة “قوانين”، أي علاقات ثابتة تحدد هذه الظواهر وتفسرها.
في ضوء، هذا، المنطق، فإن الوطن العربي، جزء من العالم الكبير من جهة، ومن جهة أخرى، جزء خاص، لأن له تجربته الخاصة، وأوضاعه الخاصة، وقضاياه الخاصة، ظواهر التاريخ فيه قد تتشابه وقد تتباين مع ظواهر التاريخ في مناطق أخرى وأزمنة أخرى.. وفي كل الأحوال فإنه حريص في عصر العلم، أن يتوصل إلى قوانينه، عبر تجربته وخبرته.
في ضوء ما تقدم، يصل الرزاز إلى أن المنطق التاريخي الجدلي الثوري العلمي هو منطق فلسفة الحركة القومية، وهو منطق ابن التجربة والخبرة والممارسة. هذه الفلسفة تلتقي في كثير من النواحي، بوصفها فلسفة المحرومين والمسحوقين والمستعمَرين، مع فلسفة البروليتاريا المحرومة المسحوقة في القرن التاسع عشر في الغرب، الفلسفة الماركسية، لكنها بالضرورة ليست هي هي، ليست هي نفسها.
والاختلاف هنا، يقول الرزاز، اختلاف موضوعي، اختلاف بين فلسفة وُضعت لتفسير تناقضات العالم الصناعي المتقدم، وفلسفة تفسر تناقضات العالم المستعمر المتخلف. ولكن الاختلاف هنا ليس تناقضاً. فالفلسفتان هما فلسفتا المحرومين المستغَلين، والتناقض هو تناقض بينهما من جهة، وبين فلسفة المترفين المستعمِرين البرجوازية الإمبريالية المستندة إلى المنطق الوصفي التقريري أحياناً، وإلى المنطق الذرائعي أحياناً، وإلى المنطق الظواهري أحياناً من جهة أخرى.
في ضوء هذا المنطلق لفلسفة الحركة القومية المعارضة للاستعمار، وسماتها سابقة الذكر، يميز الرزاز بين القومية والحركة القومية، على أساس أن لكل انتماء قومي ظرفه التاريخي الخاص به وعوامله التاريخية الخاصة، وعلى أساس أن الولاء القومي ليس ولاء صافياً دائماً ولا نقياً دائماً، فهو لا بد أن تداخله، حتى في ذروة اشتداده وقوته، ولاءات جانبية، طائفية أو عرفية، أو إقليمية أو طبقية، تحاول أن تنازع هذا الولاء في القوة، أو أن تدعمه، وأن تضفي عليه من خصائصها.
النقيض في المنطق التاريخي الجدلي هو النقيض التاريخي، بحسب الرزاز، لا أيّ نقيض. لذلك فإن نقيض الحركة القومية المعتدية، في المنطق الجدلي، لا بد أن يكون هو الحركة القومية التحررية، لأن رد الفعل لا بد أن يكون من نوع التحدي نفسه، نابعاً منه، ومناقضاً له، ونافياً لخصائصه في الوقت نفسه. هذا الاتصال والانفصال بين التحدي وبين نقيضه التاريخي لا بد أن يخلق تركيباً جديداً، متصلاً بالتحدي نفسه من جهة، ومتصلاً بنقطة الانطلاق في رد الفعل من جهة أخرى، أي بالذات الحضارية ذات التراث، ومتجاوزاً لهما في آن معاً. فالقومية التحررية لم تكن موجودة في معطيات الاستعمار، ولا هي موجودة في معطيات الشرق المتخلف، وإنما هي نتاج التضاد بين التحدي ورد فعله، ووليدة الصراع بينهما.

محتوى الحركة القومية التحررية وتركيبها

إذا كانت الحركة القومية الغربية مثّلت استعباد الإنسان واستغلاله وكبته واغترابه، في مجتمعات المستعمرات، وفي مجتمعاتها نفسها، فإن الحركة القومية التحررية انطلقت من منطلق التحرر من التخلف، ومن كل ضروب الاستعباد والاستغلال والكبت والاغتراب، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بهزيمة الإمبريالية والتخلف، وبقيام الوحدة القومية، وإقامة مجتمع سوي غير طبقي تسوده المساواة والتكافؤ، وتتاح فيه الفرص للإنسان لاستعمال كل طاقاته ومواهبه وتنميتها، ويمحى فيه الاستعباد والاستغلال، وتتم فيه التنمية من القاعدة إلى القمة لتصل إلى مجموع الشعب لا إلى فئة من فئات الشعب. وتتحقق فيه إقامة دولة نابعة من الشعب، معبّرة عن تطلعاته التحررية، متعاونة ومتحالفة مع كل قوى التحرر في العالم لإقامة نظام عالمي جديد يسوده التكافؤ والمساواة والسلام.
هذا من حيث محتوى الحركة القومية، أما من حيث تركيبها، فيرى الرزاز أنه ليس ثمة طبقة يمكن أن تزعم أنها تقوم بالثورة من أجل مصالحها هي فحسب، وإلا قضت على ثورتها بنفسها، وإنما هي تزعم أنها تقوم بثورتها من أجل مصلحة “المجتمع” كله، لذلك تستمد القوة من جميع الطبقات غير المتلاحمة مع الطبقة المتحدية.
كذلك، يندر أن تكون هناك ثورة صافية موجهة نحو غرض معين بذاته، من دون أن تداخله أغراض أخرى مرتبطة به، وتداخل هذه الأغراض يدفع فئات كثيرة وطبقات متعددة، غير الطبقة المعنية بالذات إلى الاشتراك بالثورة أو مع الثورة، كما يدفع بعض فئات الطبقة المعنية إلى الابتعاد عن الحركة التاريخية لطبقتها.
ومن ناحية أخرى، لأن الثورة حركة تاريخية عنيفة وسريعة، وهي بذلك متسارعة التطور والتغير والتبدل، قبل الثورة وأثناءها وبعدها، فإن تركيب الحركة معرَّض للتغير في كل مرحلة من مراحل الثورة، قبل الثورة وأثناءها وبعدها.
إن كثيراً من أسباب التحضير للثورة يقوم به المثقفون، ولكن المثقفين قلّما يبدأون ثورة، وقلّما يكونون في صميم قوتها الضاربة العنيفة، هم في المقدمة أثناء التمهيد للثورة، وفي الصفوف الجانبية بعد قيامها… أما الفلاحون، فهم قد يبدون في البلاد المتخلفة أكثرَ الطبقات استسلاماً، لكنهم، في الواقع، أكثر الطبقات قابلية للاشتعال، فهم يخوضون حركات عصيان عفوية من دون تردد كبير، وهم سرعان ما يصبحون، إذا ما عمت الثورة، أول من يطرح استسلامه الظاهري، وأول من يستجيب إلى العنف الثوري ليصبحوا وقود الثورة الحقيقي وسندها القوي.
هذا القانون العام، صادق وحقيقي في أساسه، إلا أن “الشعب” في هذا القانون يبقى، بنظر الرزاز، مادة التغير في الحركة القومية. والشعب هنا، يحسب الرزاز، غير الأمة. فالأمة تجمع كل من ينتمي إلى الرابطة القومية، بينما الشعب هو ذلك الجزء من الأمة المعادي للاستعمار والتخلف. كما أن كلمة “الشعب”، إنما هي تعبير تاريخي. وهي بذلك لا تمثل بالضرورة الجزء نفسه من الأمة في جميع مراحل نضالها. وإنما هي تعبير يطرأ على معناه التغير بتغير مراحل النضال.
الشعب بهذا المعنى الجامع الواسع، هو طرف المعادلة في التناقض مع الاستعمار. فالاستعمار ليس موجهاً ضد طبقة بالذات في المستعمرات، وإنما هو يصيب الشعب، بكل طبقاته، بالاغتراب والتمييز العنصري وبقية خصائص الاستعباد والاستغلال.. فالشعب، بكل طبقاته، مضطهَد، والشعب باستثناء شريحة عليا صغيرة، كله محروم، وكل اقتصاده تابع للمستعمِر.
ولقد أدرك ماوتسي تونغ، وهو يقود الثورة الصينية ضد الاستعمار وضد التخلف، هذه الحقيقة، فالشعب الصيني، مثله مثل أي مجتمع طبقي في الدنيا، يمكن أن يقسَّم إلى طبقات. لكن ماوتي تونغ أدرك أيضاً أن ما يجمع بين هذه الطبقات في تناقضها مع الاستعمار أكثر بكثير مما يفرق بينها، باستثناء الشريحة العليا، البرجوازية الكبيرة، التي لا يمكن على الإطلاق أن تنسجم أهدافها مع أهداف الثورة الوطنية، وهي، منذ البدء حتى النهاية، تقف مع الإمبريالية وتشكل الركيزة الأساسية لأعداء الثورة.

إن الحركة القومية التحررية، وبعد أن تحقق الاستقلال السياسي وتطرد الاستعمار، لا يجوز لها بنظر الرزاز، أن تتوقف عند هذا الحد، وإنما يجب عليها أن تستهدف التحرر الاقتصادي والمالي والعسكري، وأن يكون لها محتوى طبقي. ذلك أن الاستقلال السياسي للبلدان المستعمرة، خلق طبقة برجوازية جديدة اعتمدتها الإمبريالية، وربطتها بمصالحها، وأتاحت لها كل الفرص لتتسع وتعمق جذورها.. فخلقت ما يسمى “البرجوازية الطفيلية” وسلّمتها مسؤولية الدفاع عن أهداف الإمبريالية ومصالحها في مستعمراتها السابقة، في ظل شعارات قومية ودينية وديمقراطية وتنموية، تغطي الأساس الاستغلالي والاستعلائي لغاياتها الطبقية، والمصالح الإمبريالية حليفتها.
في حالة الاستقلال السياسي للمستعمَرات، هناك طبقتان تتشكلان، بنظر الرزاز، وهما نقيضتا بعضهما بعضا: طبقة برجوازية مرتبطة أشد الارتباط بالإمبريالية وحلفائها، ومؤمنة بنظام مجتمع رأسمالي استهلاكي، وهي عدوة لجماهير الشعب الكادح. وطبقة أخرى، هي الجماهير الشعبية الكادحة من عمال وفلاحين، المظلومة والمستعبَدة أشدَّ استعباد وظلم.
بهذا، يتجذر الوعي السياسي والاجتماعي عند الجماهير الشعبية في مرحلة الاستقلال السياسي، ويصبح الصراعُ بين هذه الطبقة الكادحة من جهة، وبين البرجوازية الطفيلية المحلية والبرجوازية الاستعمارية المتحالفة معها من جهة أخرى. هذه الوضعية، تحتم على الحركة القومية إنهاء البنية الرأسمالية التي أوجدها الاستعمار وتطبيق الحل الاشتراكي، حيث أصبح من الصعب على الحركة القومية التحررية الإبقاء على الاستقلال من دون طرح الاشتراكية بوصفها مهمة أساسية.
هكذا وُلدت الحركة القومية الاشتراكية، فأصبحت، في نظر الرزاز، تستهدف تحرير الاقتصاد القومي وتحرير الثروة القومية، بالقضاء على الطبقة البرجوازية المرتبطة بالنظام الرأسمالي، عبر جماهيرها الكادحة، وهي مضطرة إلى ذلك، حتمياً، لكي تعيد النظر في نظامها الاجتماعي. ذلك أن التحدي هنا لم يعد داخلياً محضاً، ولم يعد التحدي خارجياً محضاً، وإنما التحمَ التحديان ليصبحا تحدياً واحداً ذا وجهين متداخلين أشد التداخل، مندمجَين كل الاندماج، وأصبحت معركة التحرر بذلك داخلية خارجية في آن معاً، وارتبط التحرر القومي بالتحرر الاقتصادي بالتحرر الاجتماعي ارتباطاً يجعلها جميعاً معركة تحرر واحدة ذات وجوه مختلفة، ولكن ملتحمة مندمجة كذلك كل الالتحام وكل الاندماج، وبذلك يصبح الصراع صراعاً طبقياً قومياً واحداً لا انفصام فيه بين ما هو قومي وما هو طبقي.
من كل ما تقدم نستطيع القول إن فهم منيف الرزاز للصراع القومي، اتخذ طابعاً طبقياً موجَّهاً ضد البرجوازية والاستعمار المختبئ وراءها، فالاستعمار وظهور الإمبريالية، عاملان حاسمان في بروز كل من الصراعَين الطبقي والقومي. إن الصراع الطبقي موجود أصلاً في المجتمع، إلا أن الإمبريالية جاءت ونقلته إلى وضع جديد، بتحديد مهمته حمايةً لمصالحها الاحتكارية، بحيث أصبح هذا الصراع “الطبقي” أساسياً وعدائياً لا يمكن تأخيره.
في ضوء ذلك، فإن الحركة القومية في فلسفتها، عند الرزاز، حركة تغيير ثوري للمجتمع على طريق الاشتراكية في سبيل إنجاز مهمتها التاريخية في التحرر القومي والاجتماعي، وبهذا فإن الرزاز أخذ الماركسية، خصوصا ماركسية ماوسي تونغ القومية، ماركسية معادية للاستعمار والإمبريالية، إنها فلسفة قومية ماركسية.

جريدة الرأي، الجمعة 7 تشرين أول 2011م