أعرف أين تبدأ رحلة “موقع أسرة منيف الرزاز”(Razzaz.com ) ولا أعرف أين تنتهي، فالموقع يضع في متناول القراء تجربة أسرة أردنية عربية صغيرة تفاعلت مع محيطها الفكري والثقافي والسياسي والنضالي والإنساني، وعلى المستويين الأردني والعربي. لعلها محاولة للإجابة على أسئلة كبيرة من خلال تجربة هذة الأسرة الصغيرة، وربما هي محاولة لتذكيرنا بسهولة اختطاف حلم الحرية تحت ذرائع مختلفة، للسيطرة على العقل والإرادة. ننشر هذا الإرث لأنه يجسد كابوساً وحلماً في آن، كابوساً يعكس سهولة قمع الإنسان، وحلماً يجسد استحالة هزيمة الإنسان، إذا توفرت له الإرادة. ننشر هذا الإرث لأنه رسائل حب، حب الإنسان للإنسان، حب الإنسان للوطن. ننشره لأن الإنسان العربي أعاد للحلم بريقه وجعله ممكنا. ننشره حتى لا يستحيل الحلم مرة أخرى الى كابوس.

الموقع Razzaz.com يجمع إرثا من الرسائل والمذكرات غير المنشورة سابقا، وينشرها تباعا في أجزاء، يشكل كل منها مرحلة من مراحل معترك الأسرة مع واقع عربي مأزوم، وفي أكثر من بلد عربي، (الأردن، سوريا، العراق، لبنان)، وعلى مدى الخمسين سنة الأخيره من القرن العشرين. فقد شهدت المرحلة مخاضا عسيراً ابتداء باندحار الاستعمار و نمو الشعور القومي العربي وأحلام النهضة العربية، وانتهاء بكوابيس الاحتلال لفلسطين، وبتحول حركات التحرر العربية إلى أنظمة قمع واستبداد، وبحروب الخليج المتعاقبة. هذا المخاض انعكس جلياً في الحياة اليومية لأسرة منيف الرزاز: لمعة بسيسو الزوجة، ومؤنس الرزاز الابن الأكبر،عمر الرزاز الابن الأصغر، زينه الرزاز الابنة الصغرى، وأخيراً ولو بعد حين للأحفاد (نور و منيف و كندة و آية و طارق ولين ومؤنس الصغير).

تجربة هذه الأسرة الصغيرة قد لا تكون استثنائية من حيث حجم التضحية. فقد ضحى آخرون، ولا يزالون، على امتداد الوطن العربي، في سبيل مبادئ وقضايا آمنوا بها ودفعوا ثمنا باهظا لها. ما يميز تجربة هذه الأسرة هو كثافتها على المستوى الإنساني والفكري والأدبي والسياسي، فكثافة أعمال منيف الرزاز الفكرية وأعمال مؤنس الرزاز الأدبية، يرافقها كثافة في التجربة السياسية والإنسانية، مكتوبة وموثقة في رسائل ومذكرات غير منشورة سابقا، وتبرز هذه الرسائل والمذكرات الجانب الإنساني لتجربتهما و تداعياته على الأسرة، والدور الاستثنائي الذي لعبته لمعة (الأم) في حياة كل منهما، وأثر ذلك كله على مواقفهما من السياسة و الحياة، وعلى نتاجهما الفكري. لا يعرف هذا الجانب إلا القلة من المقربين، وحتى هؤلاء تفوتهم مفاصل ومراحل مهمة، حيث امتد هذا الإرث عبر خمسين سنة، بين أكثر من بلد، وانتقل بين أعلى مواقع السلطة حيناً، وبين السجن والمنفى والإقامة الجبرية أحياناً أخرى.

هذا الموقع يسجل هذا التاريخ الإنساني على لسان كل منهم، و بخط أيديهم، عبر رسائل شخصية عفوية كتبوها لبعضهم البعض، وعبر مذكرات حميمة وشفافة، تعترف بالأخطاء والخطايا، قبل أن تذكر أية مآثر. وتشير إلى و تحلل العثرات والكبوات والاخفاقات، ولا تكاد تشير إلى أي من الإنجازات، مخالفة في ذلك التقليد العربي الدارج في كتابة مذكرات تستعرض بطولات الكاتب ونظرته الثاقبة وذكائه الفذ. وفوق ذلك كله، وربما الأهم على الإطلاق، هو تعبير هذه الرسائل عن مخزون هائل من الحب والعطاء، وقدرة مذهلة على التحايل على الألم واليأس، للمحافظة على حيز ما من الأمل حتى في أحلك الظروف وأصعبها.

ونبدأ الرحلة بقصاصة صغيرة كتبها مؤنس عام 2001، قبل أشهر من وفاته. تلخص القصاصة خير تلخيص، وبأسلوب مؤنس المميز، سيرة الأسرة على مدى خمسين عاما، في أقل من صفحة واحدة. ثم نعود إلى البدايات، حيث يتذكر مؤنس اعتقال الوالد مع عدد كبير من رموز المعارضة عام 1957، (وقد كان مؤنس في السادسة من العمر آنذاك)، ثم ندخل مرحلة رسائل معتقل الجفر بين منيف ولمعة ومؤنس، فنلمس الخيوط الأولى لهذه العلاقة الحميمة الملأى بالحب والتعاضض، ولكن أيضا بوادر العلاقة المركبة بين مؤنس وأبيه، ولن تنتهي هذه الرحلة قبل المرور بسوريا في أوائل الستينيات والترحال المستمر في أواخرها، وعمان في أوائل السبعينيات والعراق ولبنان في أواخرها، وحتى تحط الرحال عائدة إلى عمان في الثمانينات، و رسائل مؤنس إلى عمر في التسعينات، والتى تأخذ تدريجيا شكل البوح والاعترافات “الجوانية” التي تطال كل جوانب حياته وعوالمه و تقلبات أمزجته، منتهية بنص كتبه يوم 2\2\2002، يوم دخل الغيبوبة، اختتم فيه مقتبسا من همنغوي “قد يدمر الإنسان ولكنه لا يهزم”، وفارق الحياة بعدها بستة أيام، في 8\2\2002.

مضى أكثر من نصف قرن على رحلة الرسائل التي انطلقت من الجفر، وها هي الآن ترى النور على أيديكم، خمسون سنة زاخرة من تاريخ المنطقة، مسجلة من منظور أسرتنا الصغيرة. لا أدعي القدرة على استخلاص العبر وتوجيه الموعظة لأحد من خلالها، ولكن كونها تجربة إنسانية عميقة مدونة بشفافية، آمل أن تسهم في تعميق الفهم لدور الفرد في التغيير، وأثر ذلك على الأسرة ودورها، ودور الحب والإيمان بعدالة القضية في مواجهة القمع، وقد يرى فيها القارئ ما لا نراه نحن أبناء هذه التجربة المُرّة، ولكن الغنية أيضا.

عمر منيف الرزاز


جميع الحقوق محفوظة لعائلة الرزاز 2014